مؤيد اللامي.. الشجرة المثمرة التي تُرمى بالحجارة

بقلم: صادق العلي
مؤيد اللامي اسم كبير في عالم الصحافة العراقية والعربية، ونقيب للصحفيين العراقيين لعدة دورات، كما تولّى رئاسة اتحاد الصحفيين العرب لدورتين متتاليتين. وهي مواقع لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة حضور نقابي وإعلامي طويل، وتجربة تركت بصمتها الواضحة في مسيرة الصحافة العراقية.
قد يختلف البعض مع مؤيد اللامي، وقد تُسجّل عليه ملاحظات أو تُنتقد بعض مواقفه وقراراته، وهذا حق مشروع لا يختلف عليه اثنان. لكن الاختلاف مع شخصية عامة يجب ألا يتحول إلى خصومة شخصية، ولا إلى حملات تسقيط أو اتهامات تفتقر إلى الدليل والوثيقة.
فالإنصاف يقتضي أن ننظر إلى التجربة كاملة، لا أن نختزل سنوات طويلة من العمل النقابي في موقف أو منشور أو خلاف عابر.
لقد استطاع اللامي، خلال سنوات وجوده في قيادة نقابة الصحفيين العراقيين، أن ينقل النقابة إلى مساحة مختلفة من الحضور والتأثير، وأن يجعلها مؤسسة تمتلك إمكانات ومشاريع ومصادر قوة تساعدها على أداء دورها وخدمة الصحفيين وتعزيز حضورها في المشهد العراقي والعربي.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل نقيس المسؤول النقابي بعدد الانتقادات التي توجّه إليه، أم بما أنجزه خلال سنوات وجوده في موقع المسؤولية؟
وهل من العدل أن نهدم تجربة كاملة بسبب خلافات أو مواقف شخصية، أم أن الإنصاف يقتضي أن نضع الإنجازات إلى جانب الملاحظات، ثم نحكم بموضوعية؟
مؤيد اللامي شخصية جدلية، وهذه الجدلية ليست بالضرورة عيباً. فالشخصيات التي تعمل وتتحرك وتترك أثراً في المشهد العام غالباً ما تكون أكثر عرضة للنقد والجدل من تلك التي تختار الصمت والوقوف بعيداً عن دائرة الضوء.
والرجل لم يختر طريق الهامش، بل دخل في ملفات ومعارك نقابية، واتخذ قرارات جريئة، ودافع عن قضايا الصحفيين ومكانة نقابتهم. ومن الطبيعي أن تنتج عن ذلك مواقف مؤيدة وأخرى معارضة.
لكن الصحافة التي نؤمن بها لا تُدار بمنطق “معي أو ضدي”.
الصحافة مهنة الحقيقة، والحقيقة تحتاج إلى دليل.
إذا كانت هناك مخالفات أو أخطاء، فليتم طرحها بالوثائق والأرقام والوقائع، وليكن النقاش علنياً ومهنياً. أما تحويل الخلاف إلى تشهير، أو إطلاق الاتهامات دون دليل، فهو لا يخدم الصحافة ولا يحمي الصحفيين، بل يضعف صورة المهنة نفسها.
إن مؤيد اللامي، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، أصبح جزءاً من تاريخ الحركة الصحفية والنقابية العراقية الحديثة. وهذه حقيقة لا يمكن محوها بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بحملة إعلامية، ولا باتهام مجرد من الأدلة.
وقد تكون هناك ملفات تستحق المراجعة والنقاش، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة طويلة. لكن المراجعة شيء، ومحاولة إلغاء التجربة بالكامل شيء آخر.
نحن بحاجة إلى نقد مسؤول لا إلى تسقيط مسؤول، وإلى صحافة تختلف في الرأي لكنها تحترم الحقيقة، وإلى نقابيين وإعلاميين يختلفون في المواقف لكنهم يلتقون عند مصلحة الصحفي ومكانة الصحافة العراقية.
فالعمل العام ليس طريقاً مفروشاً بالورود، ومن يعمل في الضوء سيكون دائماً عرضة للسهام. وكلما كان حضور الإنسان أكبر، كانت دائرة الجدل حوله أوسع.
وكما يقال:
الشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة، أما الشجرة اليابسة فلا أحد يلتفت إليها.
وقد يختلف الناس حول مؤيد اللامي، وهذا حقهم، لكن من الصعب إنكار أن الرجل ترك أثراً واضحاً في نقابة الصحفيين العراقيين وفي المشهد الصحفي والنقابي العربي.
والتاريخ لا يكتب بالضجيج، ولا بالمنشورات العابرة، ولا بالحسابات الشخصية.
التاريخ يكتب التجارب كما هي؛ بما لها وما عليها، بإنجازاتها وأخطائها، وبما تركته من أثر.
ولهذا فإن تجربة مؤيد اللامي تستحق أن تُقرأ بإنصاف لا بتقديس، وبنقد مهني لا بتسقيط، وبالوثيقة لا بالإشاعة.
فالرجال الذين يعملون في الضوء قد يخطئون وقد يصيبون، لكن وحده الزمن قادر على وضع كل تجربة في مكانها الحقيقي.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا قدمنا للصحافة العراقية، وماذا سنترك بعدها؟

