لدينا وسائل اتصال أكثر… وعلاقات أقل

فشخص الجالس بجانبنا.
نعرف أخبار من يسكن في قارة أخرى، ولا نعرف أن جارنا يمر بضائقة.
نضع قلوباً على صور الناس، ثم نعجز عن وضع أيدينا على أكتافهم عندما يحتاجون إلينا.
وهنا تبدأ الحكاية…
هل المشكلة في النعمة، أم في طريقة استعمالنا لها؟
العلم نعمة.
والتقدم نعمة.
والمال نعمة.
والهاتف نعمة.
والإنترنت نعمة.
ووسائل التواصل نعمة.
لكن النعمة، حين لا يحسن الإنسان استعمالها، قد تتحول بهدوء إلى اختبار.
لقد أعطانا العلم قدرة هائلة على تغيير العالم، لكن هل أعطانا بالقدر نفسه قدرة على تغيير أنفسنا؟
وأعطانا الهاتف مكتبةً في الجيب، لكنه جعل بعضنا عاجزاً عن قراءة صفحة كاملة.
وأعطانا الإنترنت العالم كله أمام أعيننا، لكنه جعل البعض لا يرى إلا نفسه.
وأعطتنا وسائل التواصل آلاف الأصدقاء، لكنها لم تضمن لنا صديقاً واحداً يأتي حين نقول:
«أحتاجك».
حتى المال…
كان المفترض أن يجعل الحياة أيسر.
فصار عند بعض الناس سبباً للقلق أكثر من الطمأنينة.
كلما زاد ما يملكون، زاد خوفهم من فقدانه.
وكلما رأوا ما عند غيرهم، شعروا أن ما عندهم قليل.
وكأن الإنسان الحديث لا يقيس نعمته بما يملك، بل بما يملك الآخرون.
وهذه واحدة من أغرب مصائب زماننا:
أن الإنسان قد يكون غارقاً في النعم، لكنه يعيش بإحساس الفقر.
وليس الفقر هنا فقر الجيب…
بل فقر الرضا.
أما الوقت، فحدث ولا حرج.
التكنولوجيا جاءت لتوفر علينا الوقت.
فماذا فعلنا؟
ابتكرنا طرقاً جديدة لإضاعته.
صرنا نقول:
«ما عندي وقت».
ثم نقضي ساعة في التنقل بين مقطع وآخر.
وساعة أخرى في قراءة تعليقات لا تعنينا.
وساعة ثالثة في متابعة حياة أشخاص لا يعرفون أننا موجودون أصلاً.
ثم نشتكي أن العمر قصير.
وكأننا نلوم الساعة لأنها مشت، ونحن الذين تركناها تمشي وحدها.
والأغرب من ذلك كله…
أننا أصبحنا بارعين في التعبير عن محبتنا للناس بالكلمات، وأقل براعة في التعبير عنها بالأفعال.
«الله يحفظك».
«مشتاقين».
«تدلل».
«أنت غالي».
كلمات جميلة…
لكن الإنسان أحياناً لا يحتاج إلى كلمة.
يحتاج إلى شخص يجلس بجانبه.
إلى زيارة.
إلى سؤال صادق.
إلى يد تمتد إليه دون مناسبة.
إلى إنسان يقول له:
«أنا هنا».
ربما لهذا السبب نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الشكر.
فالشكر ليس فقط أن نقول:
الحمد لله.
بل أن نثبت هذا الحمد في طريقة استخدام النعمة.
أن نشكر العقل بأن نفكر.
والعلم بأن ننفع به.
والمال بأن لا يستعبدنا.
والصحة بأن نحافظ عليها.
والوقت بأن نحترمه.
والهاتف بأن نجعله وسيلة لا سيداً.
والتواصل بأن نعيده إلى معناه الأول:
أن يصل الإنسان إلى الإنسان.
فليس كل تقدم تقدماً في الإنسان.
قد تتطور الأجهزة، ولا تتطور القلوب.
وقد تتسع المدن، وتضيق العلاقات.
وقد تزداد سرعة الاتصال، ويزداد بطء الاهتمام.
وقد يصبح العالم كله في يد الإنسان…
ثم يعجز عن الوصول إلى قلب أقرب الناس إليه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله وسط هذا الضجيج كله…
أن نضع الهاتف جانباً لبعض الوقت.
ننظر في وجه من نحب.
نسأله بصدق:
شلونك؟
ثم ننتظر الإجابة…
لا أن نسأل ونعود إلى شاشة الهاتف قبل أن ينتهي من الكلام.
فربما كانت بعض النعم التي نشكو منها اليوم…
ليست المشكلة فيها أنها كثيرة.
بل المشكلة أننا لم نتعلم بعد كيف نشكر الله عليها.
حيدر حمدان الغريفي